الشوكاني

303

فتح القدير

( قال ) الخضر ( ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ) زاد هنا لفظ لك ، لأن سبب العتاب أكثر ، وموجبه أقوى ، وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه : لك أقول وإياك أعني ( قال ) موسى ( إن سألتك عن شئ بعدها ) أي بعد هذه المرة ، أو بعد هذه النفس المقتولة ( فلا تصاحبني ) أي لا تجعلني صاحبا لك ، نهاه عن مصاحبته مع حرصه على التعلم لظهور عذره ، ولذا قال ( قد بلغت من لدني عذرا ) يريد أنك قد أعذرت حيث خالفتك ثلاث مرات ، وهذا كلام نادم شديد الندامة ، اضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف . قرأ الأعرج " تصحبني " بفتح التاء والباء وتشديد النون . وقرأ الجمهور " تصاحبني " وقرأ يعقوب " تصحبى " بضم التاء وكسر الحاء ورواها سهل عن أبي عمرو . قال الكسائي : معناه لا تتركني أصحبك . وقرأ الجمهور " لدني " بضم الدال إلا أن نافعا وعاصما خففا النون ، وشددها الباقون . وقرأ أبو بكر عن عاصم " لدني " بضم اللام وسكون الدال . قال ابن مجاهد : وهى غلط . قال أبو علي : هذا التغليط لعله من جهة الرواية ، فأما على قياس العربية فصحيحة . وقرأ الجمهور " عذرا " بسكون الذال . وقرأ عيسى بن عمر بضم الذال . وحكى الداني أن أبيا روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكسر الراء وياء بعدها بإضافة العذر إلى نفسه ( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ) قيل هي أيلة وقيل أنطاكية ، وقيل برقة ، وقيل قرية من قرى أذربيجان ، وقيل قرية من قرى الروم ( استطعما أهلها ) هذه الجملة في محل الجر على أنها صفة لقرية ، ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التأكيد ، أو لكراهة اجتماع الضميرين في هذه الكلمة لما فيه من الكلفة ، أو لزيادة التشنيع على أهل القرية بإظهارهم ( فأبوا أن يضيفوهما ) أي أبوا أن يعطوهما ما هو حق واجب عليهم من ضيافتهما ، فمن استدل بهذه الآية على جواز السؤال وحل الكدية فقد أخطأ خطأ بينا ، ومن ذلك قول بعض الأدباء الذين يسألون الناس : فإن رددت فما في الرد منقصة * على قد رد موسى قبل والخضر وقد ثبت في السنة تحريم السؤال بما لا يمكن دفعه من الأحاديث الصحيحة الكثيرة ( فوجدا فيها ) أي في القرية ( جدارا يريد أن ينقض ) إسناد الإرادة إلى الجدار مجاز . قال الزجاج : الجدار لا يريد إرادة حقيقية إلا أن هيئة السقوط قد ظهرت فيه كما تظهر أفعال المريدين القاصدين فوصف بالإراد ، ومنه قول الراعي : في مهمه فلقت به هاماتها * فلق الفؤوس إذا أردن نصولا ومعنى الانقضاض السقوط بسرعة ، يقال انقض الحائط إذا وقع ، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شئ ، ومعنى فأقامه فسواه ، لأنه وجده مائلا فرده كما كان ، وقيل نقضه وبناه ، وقيل أقامه بعمود ، وقد تقدم في الحديث الصحيح أنه مسحه بيده ( قال ) موسى ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) أي على إقامته وإصلاحه ، تحريضا من موسى للخضر على أخذ الأجر . قال الفراء : معناه لو شئت لم تقمه حتى يقرونا فهو الأجر ، قرأ أبو عمرو ويعقوب وابن كثير وابن محيصن واليزيدي والحسن " لتخذت " يقال تخذ فلان يتخذ تخذا مثل اتخذ . وقرأ الباقون لاتخذت ( قال ) الخضر ( هذا فراق بيني وبينك ) على إضافة فراق إلى الظرف اتساعا : أي هذا الكلام والإنكار منك على ترك الأجر هو المفرق بيننا . قال الزجاج : المعنى هذا فراق بيننا : أي هذا فراق اتصالنا ، وكرر بين تأكيدا ، ولما قال الخضر لموسى بهذا أخذ في بيان الوجه الذي فعل بسببه تلك الأفعال التي أنكرها موسى فقال ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) والتأويل رجوع الشئ إلى مآله . ثم شرع في البيان له فقال ( أما السفينة ) يعنى التي خرقها ( فكانت لمساكين ) لضعفاء لا يقدرون على دفع من أراد ظلمهم ( يعملون في البحر ) ولم يكن لهم مال غير تلك السفينة يكرونها من الذين يركبون البحر ويأخذون الأجرة ، وقد استدل الشافعي بهذه